أحمد بن محمود السيواسي
46
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
الصلاة الكاملة ( لَكَبِيرَةٌ ) أي لشاقة عظيمة ، من كبر الشيء إذا عظم ( إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ) [ 45 ] أي الخائفين المتواضعين ، والخشوع السكون من الخوف وأكثر استعماله في الجوارح . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 46 ] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 ) ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ ) أي يستيقنون ويعلمون ( أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ) أي معاينوه بعد الموت يوم القيامة ، والظن : ترجيح أحد النقيضين واستعمل في اليقين والشك ( وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ ) أي إلى ربهم ( راجِعُونَ ) [ 46 ] أي صائرون بعد البعث للحساب والجزاء ، المعنى : أن الصلاة ثقيلة في نفسها ، لكنها لم تثقل على الخاشعين لتوقعهم ما ادخر اللّه لهم من الثواب يوم القيامة ، وثقلت على غيرهم ، لأنهم لا يتوقعون ثوابها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 47 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) ( يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا ) أي اشكروا ( نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) بانزال المن والسلوى وغيرهما ( وَ ) اذكروا ( أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ) أي ميزتكم بالتكرمة ( عَلَى الْعالَمِينَ ) [ 47 ] أي على عالمي زمانكم ، يجعل الأنبياء فيكم وجعلكم ملوكا بعد إن كنتم مماليك في يد فرعون ، ويحصل تفضيل الأولاد بتفضيل الآباء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 48 ] وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 ) ( وَاتَّقُوا ) أي أخشوا ( يَوْماً ) أي عذاب يوم ( لا تَجْزِي ) أي لا تؤدي فيه ( نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ) أي شيئا ما من الحقوق التي لزمت عليها وهو نزل حين كانت اليهود يقولون نحن من ولد إبراهيم خليل الرحمن ومن ولد إسحق ذبيح اللّه ردا عليهم ، يعني لا ينفع في ذلك اليوم نفس مؤمنة عن نفس كافرة نفعا ما ( وَلا يُقْبَلُ ) بالتاء والياء « 1 » ( مِنْها ) أي من النفس الأولى ( شَفاعَةٌ ) إن شفعت للنفس الثانية عند اللّه لتخليصها من عذابه ( وَلا يُؤْخَذُ ) أي لا يقبل ( مِنْها ) أي من المشفوع لها ( عَدْلٌ ) أي فداء من مال أو رجل مكانها أو توبة ، وأصل العدل المعادلة وهي المماثلة ( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) [ 48 ] أي لا يمنعون من العذاب ، والضمير فيه يرجع إلى معنى الجمع المستفاد من تنكير النفس الواقعة في سياق النفي ، وهو النفوس الكثيرة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 49 ] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 49 ) قوله ( وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ ) عطف على اذكروا ، أي اذكروا وقت أنجيناكم بانجاء آبائكم ( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) أي من أهل القبط ، وهو مختص بالأشراف ، وفرعون علم لمن ملك أولاد عمليق بن عاد ( يَسُومُونَكُمْ ) أي يطلبون لكم ( سُوءَ الْعَذابِ ) أي يعذبونكم أشده في محل النصب على الحال ، يعني سائمين السوء ، والسوم في الأصل الذهاب في ابتغاء الشيء ، والسوء قبح الشيء ( يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ) بيان لقوله « يَسُومُونَكُمْ » ، ولذلك ترك العطف ، أي يقتلونهم ( وَيَسْتَحْيُونَ ) أي يتركون ( نِساءَكُمْ ) طلبا لحيوتهن للاستخدام والسبب الذي حمل فرعون على ذلك أنه رآى في منامه نارا تخرج من بيت المقدس تحرق جميع القبط ولم تضر باسرائلي ، وسأل الكهنة عن ذلك ، فقالوا له يولد في بني إسرائيل مولود ، هلاكك في يده ، فأمر بذبح كل ذكر يولد في بني إسرائيل ، فكثر الذبح فأمر بذبحهم سنة وتركهم سنة ، فولد هارون في سنة لا ذبح فيها وموسى في سنة فيها ذبح ( وَفِي ذلِكُمْ ) أي في السوم وما لحق به من الذبح والاستخدام ، وفي الإنجاء منه ( بَلاءٌ ) أي امتحان ، مصدر ، يستعمل بمعنى النعمة وبمعنى البلية ( مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) [ 49 ] يعني ذلك اختبار من سيدكم كبير علي النعمة بالشكر وعلى الشدة بالصبر .
--> ( 1 ) « ولا يقبل » : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالتاء الفوقية علي التأنيث ، والباقون بالياء التحتية على التذكير . انظر البدور الزاهرة ، 32 .